الزواج هو أساس بناء الأسرة وتكوين المجتمع شرعه الله عز وجل منذ خلق آدم عليه السلام لعمارة الكون واستمرار الحياة وحثت عليه كل الأديان السماوي ، فهو النظام الإجتماعى الذى ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة وهو نظام يحقق الحب والسكن والمودة فى المجتمع كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم فى قوله تعالى: ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ” ورغب الله تعالى فى النكاح فقال تعالى ” فأنكحوا ما طاب لكم من النساء ” كما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الزواج وخاصة الشباب فقال صلى الله عليه وسلم : ” يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ” .
ورغم ما كانت عليه زيجات عصر النبوة من البساطة والزهد والتقشف والبعد عن التكلف كما يبدو ذلك فى زواج الرسول وزواج ابنته فاطمة رضى الله عنها إلا أن التاريخ الإسلامى فى العصور اللاحقة على عصر النبوة والخلفاء الراشدين يحفل بالكثير من الزيجات  التى ذاعت شهرتها فى التاريخ وأسهب فى وصفها المؤرخون وتعجب من أحوالها الرحالة المسلمون والأجانب وتبارى الجميع فى تسجيل وقائعها وأحداثها ومن هذه الزيجات ذات الشهرة العظيمة فى التاريخ الإسلامى زواج الخليفة هارون الرشيد من السيدة زبيدة بنت أبى جعفر المنصور وما صاحب هذا الزواج الذى تم عام 165هـ 782م من اسراف وبذخ لم يعهده المسلمون من قبل فقد وهب الخليفة المهدى للناس أوانى الذهب المملوءة بالفضة وأوانى الفضة المملوءة بالذهب والمسك والعنبر ، وبلغت تكاليف هذا الزواج 388.000 دينار وقيل أن السيدة زبيدة ذكرت أن تكاليف زواجها من الرشيد كانت مائتين وخمسة وثلاثين مليون درهم أو سبعة وثلاثين مليون درهم .
ومن أشهر زيجات العصر العباسى على الإطلاق زواج بوران بنت الحسن بن سهل والخليفة المأمون والذى تم سنة 210هـ وتناوله المؤرخون بالوصف ومن هؤلاء المؤرخين عبد الرحمن ابن خلدون الذى أشار فى مقدمته إلى ذلك الزواج بقوله: ” إن المأمون أعطاها فى مهرها ليلة زفافها الف حصاة من الياقوت وأوقد شموع العنبر فى كل واحدة مائة وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب مكللا بالدر والياقوت ”
كما أشار ابن الساعى فى كتابه ” نساء الخلفاء فى حديثه عن ذلك الزواج فقال ” أن السيدة زبيدة أعطت العروس بوران هدايا قيمتها خمسة وثلاثين مليون درهم “.
ومن المؤرخين الذين تحدثوا عن حفل زواج المأمون وبوران المؤرخ ابن ايبك الدوادرى واصفا ليلة البناء بقوله : ” ولما كانت ليلة البناء وجليت بوران على المأمون فرش لها حصير من ذهب وجئ بمكيل مرصع بالجواهر فيه دركيا فنشرت على تلك النساء اللاتى حضرت ” .
أما ابن كثير فى كتابه البداية والنهاية فتحدث عن ما فعله الحسن بن سهل فيذكر أنه كتب أسماء قراه وضياعه وأملاكه فى رقاع ونثرها على الأمراء وعامة الناس فمن وقعت بيده رقعة فى قرية منها بعث الى القرية التي فيها نوابه فسلمها إليه ملكا خالصا وأنفق على المأمون ومن كان معه من الجيش فى مدة اقامته عنده سبعة عشر يوما ما يعادل خمسين ألف ألف درهم .
أما أشهر زواج تم فى العصر العباسى فهو زواج الأميرة قطر الندى و ابنة خماروية من الخليفة العباسى المعتضد وقطر الندى هو لقبها أما اسمها فهو أسماء والتى كانت فى غاية الجمال والذكاء والأدب وكان هذا الزواج زواجا سياسيا كان الهدف من وراءه اجهاد الدولة الطولونية من الناحية الإقتصادية للقضاء عليها وهو ما حدث بالفعل فلقد كان هذا الزواج بمثابة البداية لإنهيار الإقتصاد الطولونى وترنحه ولقد أفاض وأسهب المؤرخون فى وصف هذا العرس  وما صاحبه من مظاهر الإحتفال والبذخ فقد أشار المؤرخ ابن كثير فى البداية والنهاية إلى أن خماروية جهزا ابنته بما لم يسمع بمثله حتى قيل أنه كان فى جهازها مائة هاون من الذهب غير الفضة والقماش وأرسل معها ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار لتشترى بها من العراق ما تحتاج اليه مما ليس بمصر مثله .
أما ابن دقماق فى كتابه الإنتصار لواسطة عقد الإمصار فقال: ”  ان قطر الندى حملت معها ما لم ير مثله أما القلقشندى فى كتابه صبح الأعشى لصناعة الأنشا أن خماورية جهز ابنته قطر الندى بما لم يسمع مثله”  .
واشار السيوطى إلى أن جهاز قطر الندى كان يحوى أربعة الاف تكة مجوهرة وعشر صناديق جوهر .
أما ابن اياس فى كتابه بدائع الزهور فى وقائع الدهور ” فقد ذهب الى أن قطر الندى حملت فى جهازها إلى بغداد من القماش والأوانى ما لا يحصر حتى قبل ان جهازها نقل من مصر الى بغداد فى ستة اشهر فكان من جملة ما ذكرفى جهازها مائة هاون ذهب والف سروال حرير فى تكة كل سروال جوهرة قدر بيضة الحمامة .
هذا غير ما ذهب اليه اغلب المؤرخين المعاصرين وغيرهم من أن خماروية وحرصا منه على راحة ابنته قطر الندى قد شيد لها قصرا فخما على رأس كل مكان تنزل فيه وقد كانت هذه القصور مجهزة ومفروشة بكل ما يحتاج اليه ولاشك أن هذا الزواج قد انهك الدولة الطولونية اقتصاديا فقد استنزف مواردها واضعفها وهذا ما كان يخطط له بنو العباس والدليل على ذلك أن هذا القول تردد فى بغداد إشاعة تقول بان الخليفة لم يقبل على هذه المصاهرة مع خماروية الا ابتغاء افقاره وبالفعل فقد ساهم ما أنفق على هذا الزواج فى افلاس بيت المال بمصر كيف لا ولقد بلغ جملة النفقات ما يقارب المليون دينار .

الزواج وإحتفالاته فى مصر بعد الفتح الإسلامى

تميزت هذه الفترة من تاريخ مصر وهى الواقعة بين الفتح الإسلامى لها عام 21 هـ وحتى عام 358 هى بان عقود الزواج فيها يختلف عن عقود الزواج فى عصرنا الحالى فقد كانت عقود الزواج فى هذه الفترة غنية بالبيانات المتصلة بالزواج من خطوبة وشهود ومهر معجل ومؤخر ووصايا بحسن الصحبة والعشرة والأمر بالإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان وفى بعض عقود الزواج شروط تشترطها الزوجة على الزوج ، ويتضح من هذه العقود أن قيمة المهر فى ذلك العقد تراوحت ما بين 4 دنانير ، 20 دينار ذهب حسب حالة الزواج والمؤخر لم يكن يدفع عند الطلاق ، وإنما كان يدفع على أقساط فى مواعيد محددة من تاريخ عقد الزواج
وكان يشهدعلى عقد الزواج أكثر من شاهدين وربما وصل عددهم إلى عشرة شهود وكان من بين الشروط التى تضمنها عقد الزواج ما يتعلق بزيارة الأهل أو وضع الزوجة فى حالة زواج الزوج عليها .
أما فى العصر الفاطمى فقد كان هناك العديد من الزيجات التى سال لها لعاب المؤرخين فتباروا فى وصف ما أرتبط بها من مظاهر البذخ والترف والأبهة .
ومن هذه الزيجات الشهيرة زواج الخليفة العاضد من أخت وزيره العادل رزيك فلقد أشار المؤرخين إلى أن العروس حملت معها الكثير من الصناديق المملوءة  بالذهب وكانت موائد الطعام كثيرة عليها الكثير من أصناف الطعام والحلوى والشراب ينهل منها العامة والخاصة .
أما فى العصر الأيوبى بمصر والشام فقد كان الزواج يتم بين الأسرات الحاكمة لتقوية الصلات بينها والحفاظ على رباط القربى وصلة الدم بين ابناء البيت الأيوبى وإن كان ذلك لم يمنع من وجود الزيجات السياسية بين بنى ايوب وسلاجقة الروم كما حدث فى عام 635 هـ1238م عندما تم زواج كل من غياث الدين كيخسروبن كتيعابد وغازية خاتون ابنة الملك العزيز محمد صاحب حلب وفى المقابل زواج ابن صاحب حلب من اخت كيخسرو .
أما فى العصر المملوكى فقد ارتبطت حفلات الزواج وما بها من مظاهر الأبهة والعظمة والشرف بالإزدهار الإقتصادى الذى شهدته مصر والشام فى العصر المملوكى البحرى والجركسى وشهد هذا العصر العديد من الزيجات التى تمت لاغراض متعددة منها تقوية الروابط والأواصر بين السلاطين والأمراء أو لضمان الولاء أو التحسين العلاقات بين سلطته المماليك والممالك المجاورة لها ومن اشهر زيجات هذا العصر زواج ابنة الناصر محمد بن قلاوون من ولد الأمير أرغون نائب السلطنة بمصر ولاشك أن هذا الزواج كان مناسبة رائعة لإظهار القوة الإقتصادية لمصر فى عهد واحد من أعظم سلاطين المماليك واقواهم فى السلطة .

 عادات الزواج فى مصر في عصر المماليك

مرحلة الخطبة

قامت الخطبة بدور كبير فى إتمام الخطوبة فى تلك العصر حيث كان يقصدها الراغب فى الزواج لأنها تعرف كل حرة وعاهرة ومليحة فى مصر والقاهرة ، وإذا رضى الخاطب بالمعلومات التى قدمتها له الخطبة فانمذجت اليها وتقدم لها هدية ويرسلها الى عائلة الفتاة لتبليغها هى واهلها رغبته فى الزواج منها ، ولم يكن للفتاة فى العصر المملوكى راى فى إختيار شريك حياتها فالرأى الاول والأخير لوالديها .

المهر

جرت العادة فى مصر المملوكية : أن يدفع جزء من المهر مقدما قبل عقد القرآن ، أما الباقى وهو مؤخر الصداق فكان يسدد على اقساط مؤجلة ، و كانت هناك مغالاة فى المهور خاصة فيما يتعلق بزواج ابناء الأمراء والسلاطين  .

حفل العرس

كانت المدة بين عقد القرآن والزفاف لا تتجاوز عشرة أيام تكون كلها ، أفراح متصلة وأيام سرور ومن بين ذلك ذهاب العروس للحمام فى موكب من قريباتها وصديقاتها مع حشد من الموسيقيين والراقصات ثم يعود العروس الى بيتها فى مثل هذا الموكب قبل الزفاف بيومين .
كما يذهب العريس أيضا إلى الحمام ويعود بين أصدقائه وأقاربه من المدعوين فى موكب موسيقى بديع ويقيم العريس بعد عودته من الحمام  مأدبة بها الطعام والعيش والسلطة والماء ، وتعود العروس من الحمام إلى منزلها حيث تتناول العشاء مع رفيقاتها وبعد ذلك تعجن الحناء فى فى ليلة تسمى ليلة الحناء وهى ليلة لها أهمية كبرى خصوصا عند الفلاحات حتى الوقت الراهن.
وفى الليلة التالية لليلة الحمام والحناء تكون ليلة الزفاف وكانت ليلة الزفاف الخاصة بالأمراء والسلاطين وأبنائهم تستمر لمدة سبعة أيام وفى هذه الأيام تذبح الذبائح من الأغنام والبقر واالدجاج والأوز وكذلك كانت تذبح الخيول ، وبعد نهاية حفل العروس تركب العروس محفة إذا كانت من أبناء السلاطين والأمراء والمحفة عبارة عن محمل فى أعلاه قبة تحمل على بغلين أو جملين وهى تسمى الهودج ، وتبدأ الزفة بعد الظهر وتسير ببطء وإنتظام سيرا طويلا لأجل العرض ولو كان منزل العريس قريبا ، وقد تدوم الزفة ثلاث ساعات أو أكثر  .
ولقد كان  جهاز العروس يختلف من بنات السلاطين والأمراء والتجار وطبقات المجتمع الأخرى فنجد أن السلطات الناص محمد بن قلاون قد جهز إحدى عشر ابنة له بالجهاز العظيم وكانت اقلهن جهازا بثمانمائة ألف دينار ، كذلك كان جهاز ابنة السلطان حسن شيئا عظيما ، ولم يختلف جهاز بنات الأمراء عن بنات السلاطين لأن ابنة الأمير كانت تتزوج من ابن سلطان أو من أمير .
أما جهاز بنات الطبقة الوسطى فكان عبارة عن مرتبة وسرير منخفض مصنوع من جريد النخل ومخدة للرأس وملاءة ولحاف وناموسية وأدوات مطبخ من الخزف والفخار والنحاس والخشب وأدوات مطبخ من الخزف والفخار وحلى وأدوات تجميل وقنينات عطور .
أما بنات الفلاحين فكان جهازهن عبارة عن صندوق خشبى ملون يحوى جهاز العروس حيث تضع فيه العروس كل ما يلزمها من ملابس وحلى ونقود وحصير يستخدم كفراش للجلوس والأكل والنوم ولحاف كغطاء وأدوات المطبخ ورحا من الحجر لطحن الحبوب وقناديل من الفخار وأدوات تجميل بسيطة .

زواج ابنة الملك الناصر محمد ابن قلاوون بالكبش

شهدت مناظر الكبش( مكان بالقرب من مسجد احمد بن طولون بالقاهرة ) حفل زفاف ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون على ولد الأمير أرغون نائب السلطنة بمصر بعدما جهزها جهازا عظيما ندر أن يكون له مثال.
قال المقريزى: “جهز جهازا عظيما منه شبخانا هوداير بيت وستارات طرز ذلك بثمانين ألف مثقال ذهب مصرى سوى ما فيه من الحرير وأجرة الصناع وعمل سائر الأوانى من ذهب وفضة فبلغت زنة الأوانى المنكورة ما ينيف على عشرة الاف مثقال من الذهب وتناهى فى هذا الجهاز وبالغ فى الإنفاق عليه حتى خرج عن الحد فى الكثرة فإنها كانت أول بناته ولما نصب جهازها بالكبش نزل من قلعة الجبل وصعد إلى الكبش وعاينه ورتبه بنفسه وواهتم فى عمل العرس اهتماما ملوكيا وألزم الأمراء بحضوره فلم يتأخر أحدا منهم عن الحضور ونقط الأمراء الأغانى على مراتبهم من اربعمائة دينار كل أمير الى مائتى دينار سوى الشقق الحرير واستمر الفرح ثلاثة ايام بلياليها فذكر الناي حينئذ  انه لم يعمل فيما سلف عرس اعظم منه حتى حصل لكل جوقة من جوف الاغانى اللاتى كن فيه خمسمائة دينار مصرية ومائة وخمسون شقة حرير وكان عدة جوق الأغانى التى قسم عليهن ثمان جوق من اغانى القاهرة سوى جوف الأغانى السلطانية وأغانى الأمراء وعدتهن عشرون جوقة لم يحصل ما عرف لهذه العشرون جوقة من كثرة ما حصل ولما انقضت أيام العرس أنعم السلطان لكل امراءة من نساء الأمراء بتبعية قماش على مقدارها وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء والكتاب وغيرهم فكان مهما عظيما تجاوز المصروف منه حد الكثرة
ومن عقود الزواج التى ترجع إلى العصر المملوكى وبالتحديد عام 734هـ

ما يحتفظ به  متحف الفن الإسلامي بالقاهرة حيث يوجد ثلاثة عقود للزواج مسجلة على قماش قطنى منها عقد رقم (4224) يتألف العقد من اثنين وثلاثين سطرا ثلاثة عشر سطرا للخطبة والباقي صلب العقد.
نص عقد الزواج :
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلاع على عبادة الذين اصطفى.
هذا كتاب صداق وعقد واتفاق وبركة تنمو على أصحابها وسعادة تسمو إلى خطابها ونعمة قد من الله سبحانه بها اكتتبه المقر الأمير( ثم يذكر أسماء وألقاب الأمير ).
وهو علم الدين علي بن سراج عمر لمخطوبته الأميرة الجليلة المصونة والدرة المكنونة البكر البالغ المدعوة أم الخير ابنة الأمير الأجل المرحوم ركن الدين بن الحسين يقرأنه تزوجها على بركة الله تعالى وعونه. وحسن توفيقه من الذهب العين المصري المثاقيل المسكون الجيد خمسمائة دينار الحال من ذلك مائة دينار واحدة وباقى ذلك وهو على غير تكرار. أربعمائة دينار بالصفة المذكورة يقوم بها الزوج المذكور للزوجة المذكورة مقسطة منخبأ عليه إلى ان تقضى عشر حجج من تاريخه وهو إلى عشرين رمضان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وذلك بايجاب شهاب الدين أحمد بن ماهر النقيب بباب الشرع الشريف بثغر أسوان المحروسه وكيل أخيها شقيقها جمال بن محمد وذلك بشهادة من يذكر برسم شهادة آخر وعلى الزوج المذكور ان يتقى الله عز وجل فيها ويحسن صحبتها ويعاشرها بالمعروف وبالخلق الرضى المألوف كما أمر سبحانه وتعالى

 

 الزواج فى مصر العثمانية

أما فى العصر العثمانى بمصر فقد كان للزواج كما يرى الجبرتى فى كتابه عجائب  الآثار مراسم ولكل عائلة نظام خاص بها فعندما تكلم عن عائلة الشرابيين بالقاهرة قال انهم اذا عملوا عرسا أعدوا الولائم وأطعموا الفقراء والقراء على نسق اعتادوه وتنزل العروس من الحريم حريم أبيها إلى مكان زوجها بالنسا الخلص والمغانى والجنك تزفها ليلا بالشموع .
وعندما تحدث الجبرتى عن زواج على أغا خازندارالأمير محمد أغا البارودى قال أنهم أقاموا للعروس زفة بهيئة لم يسبق نظيرها ومشى جميع أرباب الحرف وأرباب الصنائع مع كل طائفة عربة وفيها هيئة صناعتهم ومن يشتغل فيها .

أما فى عصر محمد على فقد كان الزواج يمر بعدة مراحل تبدأ بعقد القرآن أمام المأذون يلى ذلك زفة الحمام وبها تذهب العروس للحمام أمامها المزامير والطبول وفى نفس الوقت يذهب العريس مع أصدقائه إلى الحمام يلى ذلك ليلة الحناء وهى الليلة السابقة لليلة الزفاف وفيها تضع العروس الحناء وتأخذ النقوط ثم تأتى ليلة الزفاف ويذهب العريس إلى أحد المساجد ثم يعود لأخذ عروسه .
والجدير بالذكر أن هذه الخطوات والمراسم تكون أكثر بهجة وجمالا فى زواج الأثريا
وعن الزواج وأفراح المصريين واحتفالاتهم تقول الأميرة جويدان زوجة الخديوي عباس حلمي : ” لا توجد أمة تتفنن في إقامة أفراحها كلها كما يفعل المصريون فإنهم لا يدخرون شيئاً من أسباب السرور والانشراح إلا وأدخلوه في أفراحهم مهما كلفهم هذا، وليس ذلك على الأغنياء والموسرين منهم فقط بل الفقراء أيضاً، وكثيراً ما كانت تلك الأفراح سبباً في إفلاس بعض العائلات “.

كما يقول إدوارد وليم لين مؤلف كتاب المصريين المحدثين : ” أنه لا يمكن أن تتزوج فتاة دون كرسي العمامة وهو عادة يكون فخماً غالي الثمن مصنوعاً من الخشب الخيزران وله مظلة من الحرير ومحلى بالذهب ليضع عليه العريس عمامته عند رجوعه من العمل”.

كما أن العريس في الصباحية يقوم بمسرحية وهي “الهروبة” حيث يخرج من البيت متسللاً ولا يعود إلا مساء اليوم التالي بعدما يخرج أصدقائه للبحث عنه، في حين أنه لا يسمح للعروس بالخروج إلا بعد أربعين يوماً كاملة

ومن أشهر زيجات عصر محمد على زواج ابنه اسماعيل باشا من ابنة محمد بك الدفتردار وكان هذا الفرح فى بركة الأزبكية متنزه المصريين فى ذلك العصر

كذلك من أشهر الزيجات زواج ابنة محمد على من محمد الد فتردار يناير 1814 م
يقول الجبرتى تمهيدا لوصف الزفة أن محمد على أمر شخصا اسمه محمد اغا أن يخلى داره حتى تسكن فيها ابنته ” وعند ذلك بيضوها وزاد فى زخرفتها وفرشوها بأنواع الفرش الفاخرة ونقلوا إليها جهاز العروس والصناديق وما قدم لها من الهدايا والأمتعة والجواهر والتحف من الأعيان وحريمهن حتى من نساء الأمراء المصريين المنكوبين وقد تكلفوا فوق طاقتهم وباعوا واستدانوا وغرموا فى النقوط والتقادم والهدايا هذين المهمين ما أصبحوا به مجردين ومديونيين .
وكان إذا قدمت احدى المشاهد رأت منهم هديتها عرضوها على أم العروس التى هى زوجة الباشا فقلبت ما فيها من المصاغ المجوهر والمقصبات وغيرها فإن إعجبتها تركتها وإلا أمرت بردها قائلة ” هذا مقام فلانة التى كانت بنت أمير مصر أو زوجته  فتتكلف المسكينة للزيادة ونحو ذلك مع ما يلحقها من كسر الخاطر وإنكساف البال .
ويمضى الجبرتى فى سخريتة اللاذعة فيذكر أن أصحاب الشرطة هدموا مصاطب الدكاكين ليوسعوا الطريق لمرور الزفة المنتظرة وأتلفوا كثيرا من الأبنية ولكن يبدو أن العدل الإلهى تدخل هذه المرة أيضا فيقول الجبرتى ” عندما توسطت الزفة فى مرورها بوسط المدينة أطبق الجو بالغيام وأمطرت السماء مطرا غزيرا حتى تبحرت الطرق وتوحلت الأرض وابتلت الخلائق من النساء والرجال المتجمعين للفرحة وخصوصا الكائن بالسقائف وفوق الجوانب والمصاطب وغم المتعينون بالمشى فى الموكب ولا الذين لا مفر لهم من ذلك ولا مهرب فاختل نظامهم وابتلت ثيابهم وتكدرت طباعهم وانتقضت اوضاعهم وزادات وساوسهم وتلفت ملابسهم وهطل الغيث على الابرسيم والحرير واشالات الكرخانة والسلمى وما زينت به العربات من انواع المزركشى والقصبات وفقدت  على من بدا من القيان والأغانى الحسان وكثير من الناس وقع وتزحلق وسار ثوبه بالوحل ومنهم من ترك الزفة وولى هاربا فى عطفه يمسح يدي فى الحيط وتمايلت وتعارجت الحمر وتعثرت الباجير وانهدم تنور الزجاج ولم ينفع به العلاج .

النموذج الثانى  للزواج فى عصر محمد على

وهو زواج الاميرة زينب هانم صغرى بنات محمد على باشا ، والذي وقع في شهر ديسمبر من عام 1845 وكان زوجها هو كامل باشا ياور وسكرتير محمد على الخاص ، ويتضح لنا ما حدث في خلال تلك الاحتفالات من خلال ما ذكرته السيدة صوفيا لين بول التى زارت القاهرة عام 1842م ودخلت قصور الحريم الخاصة بمحمد على باشا  والتي كانت شاهدة عيان على تلك الاحتفالات ومشاركة فيها ، وتوضح لنا جانبا كبيرا من مظاهر الحياة الاجتماعية الخاصة بالزواج خلال تلك الفترة .
تروى لنا تلك السيدة أنه في يوم الثلاثاء السادس شر من شهر ديسمبر عام 1845 قد وصلتها الدعوة لحضور الاحتفالات الخاصة بمناسبة زفاف زينب هانم والتي سوف تبدا يوم الخميس القادم وتستمر لمدة أسبوع كامل ، هذا وسوف نترك لتلك السيدة الحديث لتوضح لنا ما كان يحدث في خلال تلك الاحتفالات والتي توضح لنا من خلالها جانبا كبيرا من مظاهر الحياة الاجتماعية التي تحدث في تلك المناسبة وتمضى على النحو التالي :
” بعد أن وصلنا الى القلعة ، ولجنا ساتر الحريم ، ووجدنا الجيش المألوف من الاغوات والجوارى السود في انتظار وصول المدعوات من السيدات الاوروبيات ، هنا وجدنا العروس جالسة فوق مجموعة مرتفعة من الوسائد من الساتان الوردي الفاتح المطرزة بفخامة بالذهب ، وبجوارها جلس أخوها الصغير محمد على بك ، وعن يسارها وقمت سمو الاميرة نظلة هانم اكبر بنات الباشا ، تنشر وابلا من العملات الذهبية والفضية بين الجموع ، وكان هذا هو سبب وجود ما يقرب من ثلاثمائة امرأة معظمهن يحاولن الحصول على هذه الهبة ، والعملات التي نثرت في الحريم كانت من فئة خمسون وثلاثة قروش وكذلك ، بارات فضية مخلوط معها شعير وملح .
“جلست عن يمين العروس والدة سعيد باشا التي اقعدتني نظلة هانم بجوارها ، وبجانبي من الجهة الاخرى مسز ليدر وحينما تقوف وابل الذهب والفضة غادرت العروس الصالون مثقلة بما ترتديهمن ذهب ومجوهرات ، تساندها اربع جوار ، ولحظة نهوضها كدنا نصاب بالصمم من جراء اصوات الدفوف الكثيرة وصيحات الزغاريد المدوية ، كان يبدو على ميحاها مسحة من الحزن العميق مما اثار اشاعات تزعم انها لا تميل الى خطيبها ، وبخروجها قل الزحام بعض الشئ وجلست نظلةة هانم وتسلمت غليونها ، وأمرت بأن تقدم لنا غلايين مثلها ولكننا اعتذرنا ، ولقد ادهشتني فخامة المباسم بحيث كان غليون الاميرة نازلي هانم اثمن ما رأي في حياتني .
تنتقل السيدة الاوروبية بعد ذلك الى وصف ملابس العروس وملابس بعض أميرات الأسرة الاخريات حيث تذكرلنا ما يلي :
” كانت العروس ترتدي بلكا وشنتيانا من الكشمير الاحمر المطز بخيوط الذهب باسلوب زخرفي رائع تتخلله فصوص من اللؤلؤ ، وفوقها سلطة من القطيفة الحمراء ، وتكاد تكون مغطاة تماما بتطريز من خيوط الذهبب والجواهر الثمينة ، أما غطاء رأسها فكان يبدو بشعا للغاية وعريضة جدا  فقد ربط منديل من الكريب الاصفر حول جبهتها بطريقة تجعله يبدو من جانب الرأس مثل الأجنحة ؛ وفي مقدمة هذه العصبة رصت مجموعة من المجوهرات الماسية ذات أشكال مختلفة ، فمنها على هيئة غصن شجرة وهلال ونجم وتاج ويعلو كل هذا عصفور صغير أصفر اللون تتدلى منه ريشتان طويلتان مقوستان تمثلان الذيل واحدة تتحنى إلى يمين الوجه والأخرى إلى اليسار ، وحول رقبة العروس قلادة رائعة من الماس ، أما نظلة هانم فكانت ترتدي يلكا وشنتيانا من الستان الابيض المطرز بدقة فائقة على كل ازهار من خيوط من ذهب ومن مختلف الالوان ، وبدا محمد على بك في بزة عسكرية ضيقة مطرزة ببذخ بلاذهب واللؤلؤ وسروال واسع” .
تنتقل المؤلفة بعد ذلك الى وصف الهدايا التي ارسلها العريس الى عروسته في ذلك اليوم وتمضى روايتها كالتالى :
“دعتنا والدة الأمير محمد على لمشاهدة هدايا العروس التي كانت قد وصلت في صبيحة ذلك اليوم من عند العريس فصحبناها إلى غرفة مجاورة حيث عرضت أشياء كثيرة نفيسة وجميلة من مجوهرات وملابس وأطقم فضية … وكانت لا تزال أشياء اخرى تفض عنها الاغلفة ، اما صندوق المجوهرات فكان مغطى بقطيفة حمراء محلي بافرع من الماس ، كما شاهدنا اثتنى عشر ثوبا من القطيفة والصوف والساتان كلها مطرزة بخيوط الذهب على شكل ازهار ، أما مختلف انواع “الشباشب” و “المزوز” ، فكانت مرصعة بالماس بأشكال جميلة وكذلك زين شريطا قبقاب الحمام بالاحجار الكريمة وطعما بالصدف ، وكان هناك اربعة اطقم العشاء من الفضة وايضا طاقم غريب الشكل للشاي ، كما لاحظت وجود عدد من الصواني عليها آنية من الصيني الفرنسي ، وأيضا اطباق انيفة جدا من الصيني تبدو مجدولة مثل السلال للفاكهة ” .
بعد ان ابديت اعجابي بهذه الهدايا النفسية قيل لي أن نظلة  هانم قد أمرت بأن يكون لي شرف رؤية مقتنيات العروس الشخصية المحفوظة في غرفة اخرى حيث أمكنني ان أمسك في يدي وامعن النظر في الحزام الماس الرائع الذي ربما سمعت عنه ، ولقد تأكدت منذ ذلك الحين من مصدر موثوق أن الماس الذي أعطاه الباشا لابنته لهذه المناسبة تبلغ قيمته 200.000 جنيه ، وأن الحزام والعقد أثمن وأجمل ما يتضمن اذ ان الحزام قيمته 40.000 والعقد 37.0000 والقرط ، 12.000 والاساور 10.000 جنيه استرليني .
كما شاهدت أيضا عديدا من الخواتم الماسية الرائعة ، وكان كل واحد منها يحتوي على حجر من البلانتي ذي حجم مهول ، ومن الغريب أنه باستثناء مسبحة جميلة من اللؤلؤ كانت جميع المجوهرات من الماس وحلى الرأس التي تبدو على شكل أغصان كلها من الماس المركب في الفضة وكلها غاية فى الفخامة .
هذا وتوضح لنا المؤلفة والتي كانت شاهدة عيان على تلك الوقائع ان تلك الافراح كان يؤمها إعداد غفيرة من افراد الشهب للمشاركة في تلك المناسبة ، وقد ذكرت بخصوص ذلك الأمر ما يلي :
“وقد قدر أن عدد النساء اللاتي جئن الى القصر خلال أسبوع الاحتفالات كان في المتوسط سبعة الاف في اليوم الواحد ، وكانت تسمع غمغمة متواصلة بين تلك الالاف مثل صوت موج البحر عندما تكون على مسافة قريبة ” .
تنتقل بعد ذلك تلك السيدة الى وصف باقي الاحتفال الخاص بزواج زين هانم ابنة محمد على باشا حيث تذكر لنا ما يلي :
بعد الإفطار سمعنا هرجا ومرجا عاما إذ كان الباشا قد حضر إلى القصر ودخل في حجرة النافورة ، وكانت العروس على اهبة النزول اليه لتقبل يده ، اصطفت كل المدعوات في الصالون العلوي لتشاهدها وهي تمر وتهبط لاسلم ، وقبل ظهورها دوت اصوات الزغاريد الحادة ودقات الدفوف العالية معلنة مقدمها ظهت الراقصات اولا بلباسهم الوردي المذهب ، ثم اقبلت نظلةة هانم ووراءها تابعاتها وحاملات ذيل ردائها ، وظهرت العروس وعلى يمينها والدتها وعلى يسارها زوجة سعيد باشا ، وفي اثناء نزول العروس من الدرج اوقفتها والدتها لتضيف حلية اخرى الى زينة راسها والذي كاد يكون كله مغطى بالماس ، وكان يتبعها ما يقرب من ثلاثين ارية في أبهى وأروع الثياب ، ونزل الحشد معهن في السلم وعبر الصالون السفلي ، ولكن لم يدخل الحجرة التي ينتظر فيها الباشا سوى نظلة هانم والعروس والتابعات المقربات ، ودامت المقابلة حوالي عشر دقائق ، غادر الوالى بعدها القصر وعاد الموكب ادراجه بالطريقة نفسها” .
هذا وتعطينا المؤلفة أيضا صورة عن احتفال محمد على باشا بتلك المناسبة وكيف كان يستغل تلك المناسبات في دعوة عدد كبير من الوجهاء والأعيان والعلماء وذلك بهدف اكتساب مودتهم وولائهم عن طريق تلك الدعوات وتذكر لنا ما يلي :
“أن محمد على باشا كان يستضيف للعشاء فى كل يوم من ايام الاحتفالات فئات مختارة ، وكان من بين المدعوين القناصل وكثير من الأوروبيين من رحالة ومقيمين في مصر ، وفي احد الايام دعا ائمة العلماء للعشاء معه ؛ وفي المساء بعد تناول الطعام ، قاد هذه الشخصيات الوقورة الجليلة إلى بهو اعد ليكون مسرحا ليشاهدوا عرضا لفرقة من الممثلين الأوروبيين وكانت تلك أول مرة حضر فيها احدهم مثل هذا المشهد ولعلها كانت اكبر مغامرة ضمن العديد من البدع الأوربية التي استحدثت في هذه المناسبة .
تنتقل السدة الأوروبية بعد ذلك الى استكمال وصف باقي مراسم الاحتفال حي تذكر لنا وقائع نقل جهاز العروس من القلعة الى منزل الزوجية بالأزبكية حيث ذكرت ما يلى :
“كانت فرقة الباشا العسكرية على راس الموكب ، وتبعها فوج من حاملي الرماح ، ثم جاء عدد من ضباط المشاة يحمل كل منهم صينية بها مختلفة انواع الحلوى ؛ تبعتهم عربات محملة بالمجوهرات والفضيات والملابس واشياء اخرى وكلها مغطاة بقماش من القطيفة أخضر ذي أهداب ذهبية ، ويجر كل عربة أربعة جياد ويسير على جانبيها ثلاثة ضباط بملابس حمراء مزدانة بالذهب وجاء خلف العربات ضباط آخرون يحملون صواني الحلوى ، ثم فوج حاملى الرماح وفي المؤخرة فرقة من الموسيقى العسكرية ، وقد اكتظ الطريق من الأزبكية الى القلعة منذ الصباح الباكر بالجماهير كما اصطفت الآلاف المؤلفة في النوافذ وأسطح المنازل ، كانت على راس الموكب فرقة ممتازة من موسيقى الجيش تعزف ألحانا أوربية وتبعها فوج من حاملي الرماح ، أما العريس فقد تبوأ مكانا في شرفة اسطبل الباشا بالقرب من الازبكية ، وكان يرتدي ثيابا من الطراز العثماني الحالي وعليه شارة ماسية ، وه رجل وسيم وله من العمر ما يقرب من ثلاثين عاما ، وقد جاء بعد ذلك جمع من تلاميذ المدارس الإسلامية ، يتلون آيات الذكر الحكيم ، يتبعهم رجال على طاولات خشبية ، يرتدون صدريات قصيرة وأثوابا نسائيا فضفاضة ، ثم فرسان من فرقة الباشا الموسيقية يعزفون الغناء أوروبية ، وفرقة من حاملي الرماح . كانت زغاريد مئات النساء من الشوارع والمساكن ومن أسطح المنازل تذهل أحيانا ولكن دويها كان كثير من قدامي سكان القاهرة ؛ ثم جاء مصارعون يرتدون سرا من الجلد وأجسامهم مدهونة بالزيت ، تبعهم عديد من فرق مشار الجيش يحملون اعلام ان من الحرية الاحمر والابيض وعلى كل منها الهلال والنجمة ، ثم جاء مائة وخمسون رجلا في ثياب فخما يحملون فوق رؤوسهم صينيات مغطاة بقماش وكانوا قسمين أحدهما في مقدمة العربات التي تحمل المجوهرات والفضيات والقسم الثاني في مؤخرتها ، وتكونت مؤخرة الموكب من كتيبة من جند المشاة وفرقة موسيقى عسكرية وفرقة من حاملي الرماح وأخرى من حاملي الدروع وفرقة أخرى موسيقية
ثم تنتقل السيدة الأوربية بعد ذلك الى وصف مظاهر الاحتفال بختام زواج الأميرة زينب هانم ، فقد ذكرت عن وقائع الاحتفال باليوم الأخيرة ما يلي :
“حينما جاءنا خبر وصول الباشا نزلنا بسرعة الى الصالون ، وقد كان وقف الأغوات عند كل مدخل لمنع الدخول إلى الصالون ، وبعد فترة وجيزة ظهر الباشا متكئا على ذراع ابنته نظلة هانم ، وكان يبدو رائعا بلحيته ناصعة البياض التي تخفى مظهرا مهيبا لملامح وجهه المعبرة ، وما كاد يمر حتى فتحت جميع أبواب الصالون العديدة ، ولا يمكنني أن أصف اندفاع النساء من كل جانب إلا بتدفق سيل المياه . كان شيئا مفزعا ما لبثنا أن علمنا سببه وهو أن الباشا كان ينثر النقود الذهبية أثناء ولوجه الصالون .
تنتقل السيدة الأوروبية بعد ذلك إلى وصف موكب زفة العروس الى بيت زوجها وهو ختام الاحتفال حيث ذكرت ما يلي :
“بالرغم من أن جميع أهل القاهرة قد اجتمعوا لمشاهدته ، إلا أن موكب الزفة لم يشبع التطلعات المتوقعة ، إذ أنه اقتصر فقط على عرض عسكري ومرور عدد من العربات ، كانت تبدو على ملابس الجنود سمة شبه أوروبية ، وكان يتصدر الموكب رقة كاملة من موسيقى الجيش يتبعها ثلاث فصائل من حاملي الدروع ، وبعدهم حوالي اثنتي عشرة آلية ميدانية بذخيرتها الحربية ، كما تخلل الموكب الحربي بعض المصارعين ومحاربون وهميون بالسيوف ، ثم تبعهم بعض الرواد وأربع كتائب مشاة كل واحدة بفرقتها الموسيقية ، وأخيرا ظهرت جماعة كبيرة من الفرسان من بينهم محمد على بك وأحد ابناء ابراهيم باشا وكذلك عدد كبير من نبلاء القاهرة  تبع هذا الموكب حوالي ثلاثون أو أربعون عربة اخرها العربة الرسمية التي تقل العروس ، يحيط بها مجموعة من الفرسان من الضباط والاغوات واربعة رجال يحملون كل منهم حزمة من افرع شجر البرتقال محملة بثمارها ، وأنهت الزفة مجموعة كبيرة من حاملي الرماح ، وأثناء مرور الموكب كان عدد من الشاويشة يقذفون إلى أعلى قطعا من النقود على أسطح البيوت المنخفضة والى نوافذ الطبقات السفلى من المنازل وبين الجمهور في الطريق ، وكانت النتيجة الحتمية لهذا أن مات ستة أشخاص تحت الأرجل ، وعلى مسافة من الزفة جاءت عربة نظلة هانم يتبعها موكب من طهاة الباشا يحملون صواني من الطعام يوزع على الفقراء .

النموذج الثالث : الزواج فى عصر الخديوى اسماعيل

وهو الخاص بعهد الخديويي إسماعيل ومظاهر الاحتفال بالزواج في عهده الى جانب مظاهر التطور التي وقعت على تلك الاحتفالات ، ويتضح لنا ذلك الامر من خلال الاحتفالات التي اقانمها بمناسبة زواج ابنائه الامراء توفيق وحسين وحسن والأميرة فاطمة هانم .
ولقد قام الخديوي اسماعيل بالاحتفال بزواج ابنائه الامراء ابتداء من الخامس عشر من شهر يناير عام 1873 ، وقد دامت تلك الافراح اربعين يوما كاملة باعتبار عشرة ايام لكل فرح منه ؛ ولا يزال ذكرها الى يومنا هذا يبهر تصور الذين رأوها وعاشوا أيامها .
فلقد كانت شوارع العاصمة المهمة ، وعلى الأخص ما كان منها مؤديا الى القصر العالي مقر والدة اسماعيل باشا ، والى سراي الجزيرة مقر حفلات اسماعيل ، وسراي القبة مقر ولي العهد ، حيث زينت بالتحف والفونيس المختلفة الألوان على مسافة بضعة آلاف من الكيلو مترات ، ووضع في نهايتها اقواس نصر مختلفة الانوار جعلوا في أعاليها طرقات رصعت بالشموع .