هو أبو علي الحسين بن عبدالله بن علي بن سينا، كان بارعًا في الطب في زمانه، وفاق فيه أهل زمانه، وتردد الناس عليه، واشتغلوا عليه وهو ابن ست عشرة سنة([1])، وحين بلغ الثامنة عشرة من عمره كان قد صار طبيبًا ناجحًا وذاعت شهرته كطبيب ماهر، وعين في بلاط نوح بن منصور الساماني.

ودعي ابن سينا لعلاج أمير همذان، وشُفِيَ الأمير علي يديه، فاتخذه وزيرًا له، وفر ابن سينا من همذان بعد سقوط الأمير واختبأ في بيت صيدلي، وبدأ ابن سينا وهو في مخبئه يُؤَلِّف كتبه التي كانت سببًا في شهرته، وبينما هو يدبر لنفسه للفرار من همذان قبض عليه أميرُهَا وألقاه في السِّجْن حيث واصل التأليف([2])، وذكر ابن كثير أنه توفي في عام ثماني وعشرين وأربعمائة من الهجرة، وأنه مات بالقولنج يوم الجمعة من شهر رمضان عن ثمان وخمسين سنة([3]).

مؤلفات ابن سينا

من أشهر وأهم وأعظم مؤلفات ابن سينا كتاب (القانون)، وقد كتبه خلال ترحاله الطويل في ثلاث مدن، هي: جرجان، والري، وهمذان، والكتاب يقع في خمسة أبواب يعنينا منها في هذا البحث الفصول والأبواب التي تكلم فيها عن الصيدلة والدواء([4])، حيث تضمن هذا الكتاب قسمًا خاصًّا عن الأدوية المفردة والأقراباذين أدرج فيه أبحاثًا عن سبعمائة وستين عقارًا، منها خمسمائة عقار من أصل نباتي([5])، بالإضافة إلى اثني عشر لوحًا ضمنها تسجيلًا لأفعال الأدوية وخواصها بالنسبة للعديد من الحالات الخاصة([6]).

وهذا كله يجعل من كتاب القانون مرشدًا في الطب والصيدلة شرقًا وغربًا، وذلك حتى القرن 11 هـ 17 م([7])، ومن بداية كتاب القانون رسم ابن سينا منهجه العلمي؛ حيث يقول: «رأيت أن أتكلم في الأمور الكلية، ثم بعد ذلك أتكلم في كليات أحكام قوى الأدوية المفردة ثم في جزئياتها، ثم بعد ذلك في الأمراض الواقعة بعضو عضو، بدأتُ بالتشريح، ثم دللتُ بالقول المطلق على كليات أمراضه وأسبابها وطرق الاستدلال عليها وطرق معالجتها بالقول الكلي، فإذا فرغتُ من ذلك أقبلتُ على الأمراض الجزئية، ثم خلصت إلى الأحكام الجزئية، ثم أعطيت القانون الكلي في المعالجة، ثم إلى المعالجات الجزئية، بدواء بسيط أو مركب، وما كان سلف ذكره من الأدوية المفردة، ومنفعته في الأمراض في كتاب الأدوية المفردة في الجداول والأصباغ التي أرى استعمالها فيه، وما كان من الأدوية المركبة إنما الأحرى أن يكون في الأقراباذين»([8]).

إن شهرة ابن سينا كصيدلي إلى جانب كونه طبيبًا ترجع إلى الكتاب الخامس من القانون، والذي هو عبارة عن بحث في الصيدلة أو كتاب الصيدلاني العطار، ليعلم من تركيب الأدوية المختلفة، ويعتبر المقال أو الكتاب الخامس من القانون أقراباذين كاملًا، ففيه الطرق المستعملة في فن وتركيب العقاقير والمادة الطبية، كما خصص الكتاب الثاني من القانون لعلم الصيدلة نفسه، ويحتوي على كثير من العقاقير التي لم تكن معروفة عند الإغريق([9]).

إن أهمية ابن سينا في حقلي الصيدلة والطب تأتي من أنه العالم الذي حدد النظريات والتطبيقات في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية، فالكتاب الثاني من موسوعته القانونية يحتوي على الأدوية المفردة، وذلك فيه عدد كبير من النباتات الطبية العربية المنشأ، وكذلك الهندية والفارسية والصينية واليونانية، وينقسم الكتاب الثاني إلى قسمين، يتناول الأول أبحاثًا في ماهية الدواء واختياره وصفاته ومفعوله وطرق حفظه، وشرح في هذا الكتاب بعض الأعمال الصيدلانية في عمل الأدوية المفردة التي قد تفسد مفعولها أو تقلله إذا لم تراع مواصفات كل دواء، وذكر في ذلك الطبخ العنيف والمعتدل والخفيف والسحق الشديد والمفرط، والإحراق الذي يكسر الحدة، وأضاف إلى هذا الجزء جداول أطلق عليها اسم الألواح بَيَّنَ فيها أثر كل دواء على كل عضو، وجعلها اثني عشر لوحًا، وهو تصنيف يمكن أن نطلق عليه في لغة صيدلة العصر الحديث (التصنيف الفاراماكولوجي) (أي: تصنيف علم العقاقير)، والكتاب الخامس يتناول فيه الأدوية المركبة ويقسمها تبعًا لخواصها إلى حارة وباردة ورطبة ويابسة، وأورد عددًا من الأدوية المركبة المجربة، بالإضافة إلى أصول علم التركيب، ولا يفوته ذكر الأوزان والمكاييل المستخدمة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت([10]).

اعتمد ابن سينا فاعلية الأدوية بواسطة

  • التجربة على بدن الإنسان.
  • مراعاة الزمان الذي يظهر فيه أثره وفعله.
  • مراعاة استمرار فعله وتأثيره على المريض.
  • أن يكون الدواء خاليًا من كيفية مكتسبة مثل الحرارة والبرودة.
  • أن يكون المجرب عليه علة مفردة لا علة مركبة.
  • أن يكون الدواء قد جُرِّبَ على أعضائه.
  • أن تكون القوة في الدواء مقابلًا بها وما يساويها في قوة العلة([11]).

إن معرفة فاعلية وقوة الأدوية بالقياس، فقال ابن سينا: «فهي تؤخذ أولًا من سرعة استحالتها إلى النار والتسخين، وبطء استحالتها ومن بطء أو سرعة جمودها».

ثانيًا: من الروائح، وثالثًا: من الطعوم، ورابعًا: من الألوان، وخامسًا: من أفعال وقوى، ولم يغب عنه أن هذه العلامات غير يقينية أو حسب تعبيره «إن قال الإنسان هذا شيء فإنما يقوله على وجه التخمين وزيادة على الكيفيات الأربع المعلومة، وهي البرودة والحرارة والرطوبة واليبوسة، والروائح والألوان، يوجد للأدوية صفات أخرى أشهرها اللطافة والكثافة واللزوجة والهشاشة والجمود والسيلان واللعابية والدهنية والنشف»([12])، كما أشار بن سينا فيما يتعلق بالأدوية المأخوذة من النباتات الطبية على ضرورة جني الأوراق بعد أخذها من الحجم الذي لها وبقائها على هيئتها قبل أن يتغير لونها وتنكسر قوتها، فضلًا عن أن تسقط وتنتثر، وأوصى أيضًا بضرورة جني السيقان والأغصان قبل أن تأخذ في الذبول والتشنج، والزهر بعد تمام التفتح وقبل الذبول والسقوط، والثمار بعد تمام إدراكها([13])، كما ذكر ابن سينا في كتابه الأخطاء التي يمكن أن تحدث أثناء تحضير العقاقير والتغييرات التي تنتج عن طبخها وتسخينها، وشرح الفرق بين العقاقير المركبة والبسيطة، وتكلم بالتفصيل عن الاستعمال السليم للعقاقير لكل عضو من أعضاء الجسم، وكان في حالة عدم القدرة على تشخيص العلاج يصف في أول الأمر دواء مسكنًا، وحضر ابن سينا ترياقين مضادين للسموم، وبعض العقاقير التي جعلت منه عَلَّامة في تاريخ الصيدلية([14]).

أدوية الزينة في قانون ابن سينا

من الملفت للنظر في كتاب القانون لابن سينا ما ورد في الكتاب الخامس من الحديث عن بعض الأدوية والتراكيب المذكورة في مجال أدوية الزينة، وهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام:

  • أدوية ثابتة التأثير لم يزل بعضها يستعمل حتى الآن.
  • أدوية عديمة التأثير وضارة ولا جدوى منها.
  • أدوية تحتاج إلى دراسة وتمحيص.

وقد تكلم ابن سينا في أدوية الزينة عن الأدوية الحافظة للشعر، وأدوية لمطولات الشعر ومنبتاته، وما يمنع إنباته أصلًا، وأدوية ترقق الشعر، واللطوخات المانعة من الشيب، وفصل في المشقرات والأدوية المبيضات، ومقالة في أحوال الجلد من جهة اللون وأدوية للأظافر وغيرها([15]).

ولما كان ابن سينا طبيبًا ماهرًا ذائع الصيت فلا بد أنه قام بصنع الأدوية الجديدة بنفسه، والتي أوردها في الجزئين الأخيرين من كتاب القانون في الطب، وقد أشار ابن سينا إلى عدد كبير من العمليات الكيميائية؛ كالتقطير والترشيح والتصعيد والاستخلاص والتشميع، واستعمال أجهزة مختلفة للوصول إلى طلبه، شأنه في ذلك شأن الرازي، وذكر ابن سينا عددًا من المركبات الكيميائية، منها ما كان من أصل نباتي وآخر من أصل حيواني([16]).

وترك ابن سينا العديد من المؤلفات في مجال الطب والصيدلة، نذكر منها ما يتعلق بالصيدلة والعلاج منها: (تدبير الصحة في فصول السنة الأربعة)، ومنها مقالة في الأشياف والسفوفات والمطبوخات، وهي مقالة واحدة، وله مختصر أقراباذين ابن سينا، والأدوية القلبية، ورسالة في طبائع الأغذية، والقولنج وأنواعه ومداواته، وأرجوزة في الطب، ودفع المضار الكلية عن الأبدان([17]).